علي محمد علي دخيل
52
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
232 - وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي لا تمنعوهن ظلما عن التزويج هو خطاب للأولياء ومنع لهم من عضلهن وقيل : خطاب للأزواج ، يعني أن تطلقوهن في السر ولا تظهروا طلاقهن كيلا يتزوجن من غيرهم ، فيبقين لا ممسكات بإمساك الأزواج ، ولا مخليات تخلية الطلاق أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ أي من رضين بهم أزواجا لهن إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي إذا تراضيا بالمهر قليلا كان أو كثيرا ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من الأمر والنهي يُوعَظُ بِهِ يزجر ويخوف به مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إنما خصهم بالذكر لأنهم الذين انتفعوا به ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ أي خير لكم وأفضل وأعظم بركة ، لأنهم أولى بالاتعاظ به ، وقيل : لأنّ الكافر إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الإيمان ، واعترافه باللّه تعالى وأحرى أن يجعلكم أزكياء وَأَطْهَرُ أي أطهر لقلوبكم من الريبة ، فإنّه لعلّ في قلبها حبا فإذا منعها من التزويج لم يؤمن أن يتجاوزوا إلى ما حرّم اللّه وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما لكم فيه من الصلاح في العاجل والآجل وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم . 233 - لما بيّن سبحانه حكم الطلاق عقّبه ببيان أحكام الأولاد الصغار في الرضاع والتربية ، وما يجب في ذلك من الكسوة والنفقة فقال : وَالْوالِداتُ أي الأمهات يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أي ليرضعن أولادهن والمعنى : انهن أحق برضاعهم من غيرهن . ثمّ بين مدة الرضاع فقال حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أي عامين تامين أربعة وعشرين شهرا وقوله : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ أي لمن أراد أن يتم الرضاعة المفروضة عليه ، وهذا يدل على أن الرضاع غير مستحق على الأم لأنه علقه بالإرادة وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ يعني الأب رِزْقُهُنَّ يعني الطعام والأدام وَكِسْوَتُهُنَّ يعني لباسهنّ والمراد رزق الأم وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة ، وذلك في المطلقة بِالْمَعْرُوفِ يعني على قدر اليسار ، لأنه علم أحوال الناس في الغنى والفقر ، وجعل حق الحضانة للأم ، والنفقة على الأب على قدر اليسار لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها أي لا يلزم إلا دون طاقتها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها أي لا تترك الوالدة ارضاع ولدها غيظا على أبيه فتضر بولده ، لأن الوالدة أشفق عليه من الأجنبية وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ أي لا يأخذه من أمه طلبا للإضرار بها فيضرّ بولده ، لأن الوالدة أشفق عليه من الأجنبية ، فيكون المضارة على هذا بمعنى الإضرار ، أي لا تضر الوالدة ولا الوالد بالولد وقيل : الضرر يرجع إلى الولد ، كأنه يقول : لا يضار كل واحد من الأب والأم بالصبي وقوله : وَعَلَى الْوارِثِ معناه : وارث الولد مِثْلُ ذلِكَ أي مثل ما كان على الوالد من النفقة والرضاع وقوله : فَإِنْ أَرادا فِصالًا أي قبل الحولين عَنْ تَراضٍ مِنْهُما أي من الأب والأم وَتَشاوُرٍ يعني اتفاق منهما ومشاورة ، وإنما شرط تراضيهما وتشاورهما مصلحة للولد ، لأن الوالدة تعلم من تربية الصبي ما لا يعلمه الوالد ، فلو لم يتفكرا ويتشاورا في ذلك أدى إلى ضرر الصبي فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا حرج عليهما إذا تماسك الولد ، فإن تنازعا رجعا إلى الحولين وقوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ خطاب للآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ أي لأولادكم أن تطلبوا لهم مراضع غير أمهاتهم لإباء أمهاتهم الرضاع فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا حرج ولا ضيق في ذلك إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي إذا سلمتم إلى الأم أجرة المثل مقدار ما أرضعت ثم أوصى بالتقوى فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني عذابه في مجاوزة ما حده لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ أي بأعمالكم بَصِيرٌ أي عليم لا يخفى عليه شيء منها . وفي قوله : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها دلالة على فساد قول المجبّرة في حسن تكليف ما لا يطاق ، لأنه إذا لم يجز أن يكلّف مع عدم الجدة . فإنه لا يكلّف مع عدم القدرة أحرى ، فإن في